الشيخ عبد الغني النابلسي

453

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وأمّا الثالث الّذي به كملت الفرديّة فالصّلاة . فقال : « وجعلت قرّة عيني في الصّلاة » لأنّها مشاهدة : وذلك لأنّها مناجاة بين اللّه وبين عبده كما قال : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ . وهي عبادة مقسومة بين اللّه وبين عبده بنصفين : فنصفها للّه ونصفها للعبد كما ورد في الخبر الصّحيح عن اللّه تعالى أنّه قال : « قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي نصفين : فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل . يقول العبد : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) يقول اللّه : ذكرني عبدي . يقول العبد : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) يقول اللّه حمدني عبدي . يقول العبد : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) يقول اللّه : أثنى عليّ عبدي . يقول العبد : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) يقول اللّه : مجّدني عبدي ، فوّض إليّ عبدي . فهذا النّصف كلّه للّه تعالى خالص . ثمّ يقول العبد : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) يقول اللّه : هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . فأوقع الاشتراك في هذه الآية . يقول العبد : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( 7 ) [ الفاتحة : 1 - 7 ] يقول اللّه : فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل . فخلص هؤلاء لعبده كما خلص الأوّل له تعالى . فعلم من هذا وجوب قراءة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) . فمن لم يقرأها فما صلّى الصّلاة المقسومة بين اللّه وبين عبده » . وأما الشيء الثالث الذي به كملت الفردية في الشيئين المذكورين : النساء والطيب ، فإنها موجودة في كل واحد بانفراده ، وعند انضمامهما تختفي بالزوجية ، فإذا ضم إليها هذا الشيء الثالث ظهرت تلك الفردية وتقررت فالصلاة ، فقال صلى اللّه عليه وسلم في الحديث المذكور وجعلت بالبناء للمفعول قرة عيني في الصلاة لأنها ، أي الصلاة مشاهدة للحق تعالى فيها وبيان ذلك لأنها ، أي الصلاة مناجاة ، أي مخاطبة في السر بين اللّه تعالى وبين عبده المؤمن كما قال تعالى في حصول معنى المفاعلة فاذكروني بالحضور أذكركم بالتجلي والظهور ، واذكروني بالوصول أذكركم بالقبول ، واذكروني بإزالة القيود أذكركم بكشف الوجود ، واذكروني بمراعاة حقوقي أذكركم بالحفظ في غروبي وشروقي ، واذكروني بالقلب واللسان أذكركم بإفاضة أنواع الإحسان . وهي ، أي الصلاة عبادة مقسومة بين اللّه تعالى وبين عبده المؤمن بنصفين فنصفها الأوّل للّه تعالى باعتبار اشتمالها على الثناء والمجد للّه تعالى